السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
251
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
آخرين ، ولا بوقت دون وقت ، لأن صدقة التطوع لا وقت لها ، أما صدقة الفرض فوقتها وقت وجوبها وهو حولان الحول وصدور المواسم ، ولا يتحتم على من تجب عليه أن ينفقها حالا بل يتريث ليجد من ينفقها عليه ويختار الأحوج والأدين والأقرب والأتقى ، لما جاء في الخبر اختاروا لصدقاتكم كما تختارون لنطقكم . ولما رغب اللّه في الصدقة فرضها ونفلها التي هي بذل المال بلا عوض رجاء منّه عليهم طفق ينفر عن الربا وهو أخذ المال بلا عوض بقوله جل قوله « الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا » ويعاملون الناس فيه ويأكلون فضله ، لأن المال يحرز ويصرف ولا يؤكل وإنما ذكر الأكل دون اللباس والسكن الذين هما من المال أيضا لأنه معظم الأمر المقصود في المال ، ولأنه لا يستغنى عنه استغناء اللباس والسكن ، فهؤلاء المرابون « لا يَقُومُونَ » من قبورهم يوم يقوم الناس لرب العالمين عند الصيحة الثانية ليذهبوا إلى المحشر فيحاسبوا ويثابوا أو يعاقبوا « إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ » أي يصرعه ويخبطه بالأرض ، لأن الخبط ضرب على غير استواء ومنه قولهم خبط عشواء مثلا للرجل الذي يتصرف في الأمور على غير هدى وروية وتدبر بسبب ما أصابه « مِنَ الْمَسِّ » الجنون يقال مس الرجل إذا كان به جنون ، أي يبعثه مجنونا مخبلا مختلا ، وهذه علامتهم في الموقف العظيم فيفضحون بين الناس كغيرهم من الزناة وشربة الخمر والمقامرين لأن ذلك اليوم يوم الفضيحة ، أجارنا اللّه من ذلك ، وقد مثلوا لحضرة الرسول ليلة الإسراء بكبر بطونهم كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ، لأن الربا ربا في قلوبهم والعياذ باللّه فلا يستطيعون الإسراع يوم يحشر الناس سراعا كما بيناه أول سورة الإسراء في ج 1 « ذلِكَ » الذي يحل بهم يوم القيامة . « بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا » أي أنه حلال ، لأنه مبادلة مال بمال كالبيع وقد قاسوه بمقياس إبليس الذي ذكرناه في الآية 12 من سورة الأعراف في ج 1 وهم من أتباعه لأنهم يسببون لهلاك الناس بإحراز أموالهم دون مقابل ، وهو يسبب إهلاكهم بما يسول لهم « وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا » وليس الحلال كالحرام ، وقد كذبوا بقياسهم هذا لأن الربا فيه زيادة نفس المال بمقابل